موقع القيادة القوميه لحزب البعث العربى الاشتراكى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

حزب البعث العربي الاشتراكي                                          أمة عربية واحدة

    قيادة \قطر السودان                                                 ذات رسالة خالدة

الهــــــــدف

ملحق العدد (45)

يناير 2001

يصدرها  حزب البعث العربي الاشتراكي


 

·       الحل السياسي تعبير عن العجز الذي وصل إليه طرفاه .

·       افتقار قوى الحل السياسي لأي آليات لتحقيق خيارها ، جعلها تعتمد كلياً على الإرادات الخارجية .

·       أقصى ما يمكن أن يحققه الحل السياسي توسيع قاعدة النظام السياسية وسط القوى التقليدية .

·       المبادرة الأمريكية تعكس تعاظم دور العامل الخارجي في قضايا السودان ، ومرحلة متقدمة في تدويلها .

·       فشل التجمع في الإعداد والتنظيم للانتفاضة لا يعني سقوطها التاريخي كخيار راسخ في ضمير الشعب ومفصح عن خلاصة تجاربه

 
يطالع القارئ في هذا الملحق من "الهدف" محاور اللقاء الذي أجراه الأستاذ / كمال حسن بخيت رئيس تحرير جريدة الصحافة ، مع الرفيق الأستاذ عثمان إدريس أبو راس نائب أمين سر قيادة القطر لحزب البعث العربي الاشتراكي ، والذي نشرته جريدة "الصحافة" عبر حلقتين في 1/10 ، 2/10/2000م والذي مهد له قائلاً : ( بالرغم من مشاركته في تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي ، فقد ظل حزب البعث العربي الاشتراكي منذ 90 وحتى الآن خارج التجمع بالرغم من أن مؤتمر التجمع في مصوع قد قبل بمشاركة مجموعة "مفصولة" عنه وهو أمر يخالف قراراً سابقاً للتجمع يحظر انضمام المجموعات المنشقة عن أحزابها الرئيسية إلى صفوفه وقد طبق هذا القرار بحزم على مجموعة الخاتم عدلان المنشقة عن الحزب الشيوعي .. وهو ما سمح للدكتور عبد الوهاب الأفندي بالاستنتاج بوجود نوع من التآمر .. فقد كتب يقول : ( وفي عام 1990م تآمر الأعضاء لإقصاء حزب البعث العربي الاشتراكي على الرغم من كونه عضواً مؤسساً في التجمع وذلك لنيل رضاء التحالف المناوئ للعراق بعد "غزوه" الأخير للكويت . ورفض التجمع عضوية الجناح المنشق من الحزب الشيوعي ، ومارس الإقصاء ضد الآخرين ) .. ما هو رأي حزب البعث ، ما موقفه من مؤتمر مصوع ونتائجه ، كيف يرى الأوضاع السياسية عامةً واتجاه تطورها بدلالة كل تلك المعطيات وغيرها ، هذا ما يجيب عليه الأستاذ عثمان إدريس أبو راس نائب أمين سر حزب البعث العربي الاشتراكي في الحوار التالي . ) فإلى محاور اللقاء :-

 

ما تقييمكم للراهن السياسي ، واحتمالات تطوره

في ضوء محصلة اجتماعات التجمع الأخيرة في مصوع ؟

يتسم الوضع الراهن بالأزمة . في شقها المتعلق بالنظام ، تتخذ استمرارية العجز والشلل والتخبط شكلاً لها . غير أنه ليس الشكل الوحيد ، ففي اعتقادنا أن صراع القصر والمنشية ، لن يكون الصراع الأخير المعبر عن هذه الأزمة داخل النظام ، فقضايا التحقيق في المخالفات في الجهاز المصرفي والطرق كشفت عن اتجاهات تبلور مراكز للقوى وصراعاتها حول تلك القضايا المثارة . والتي يمكن أن تؤشر وجود مراكز تضطلع بحماية الفساد أو التستر عليه . وكذلك فإن تداعيات قرار الوالي القاضي بمنع النساء عن العمل في بعض المواقع ، أشرت أيضاً تبلوراً لمراكز قوى أخرى داخل النظام . وفي تلميحات بعض الكتاب والرموز الإسلامية المستندة على نظرية المؤامرة في تفسير الأحداث ما يكشف عن وجود صراعات خفية في العمق ، وجدت تعبيرها على سطح الأحداث في التضارب الصارخ والتناقض في المواقف بين أجهزة النظام وقواه تجاه القرار المذكور . فالنظام يتآكل بفعل اخفاقاته المتتالية ، وبفعل صراعات الأجنحة والتيارات داخله ، وخارجه بالذات تيار الترابي ، وبفعل المقاومة المتنامية التي يواجهها في أوساط الحركة الجماهيرية والشعبية . فحركة الاحتجاج الواسعة التي خلقها قرار الوالي والمظاهرات التي شهدتها مدن الفاشر وبورتسودان والأبيض وكوستي وغيرها ، تدل على استمرار تناقص شعبية النظام وعزلته . وإضافة لهذه الضغوط الداخلية ، لا زال النظام يعاني من العزلة والضغوط الخارجية ، أبرزها بالطبع ، الضغوط الأمريكية ، التي تضع النظام امام خيارات تتعلق بمصائره وبمستقبله ، وتعمل على تفعيل الصراعات وتباين الرؤى حول تلك الخيارات بين أجنحته . وتفسر هذه الصراعات الكامنة بين مراكز القوى داخل النظام حالة الطلاق القائمة بين الشعارات المرفوعة وبين الممارسات السياسية الجارية ، بما فيها تعذر تحقيق الوفاق أو المصالحة . فمن الواضح أن قوى الوفاق والمصالحة داخل النظام لا زالت هي الأضعف نسبياً في مواجهة ما يمكن تسميته بجناح الصقور ، الجناح المتشدد ، الذي يرفض الاستجابة للضغوط والمتغيرات والاستمرار في النهج الذي عرف في وقت ما بالشرعية الثورية . ولذلك فإننا نؤكد ، دائماً ، على الطبيعة الانتقالية للنظام ، واحتمالات تحوله وتغيره ، سواء عن طريق عوامل الصراع الداخلي أو الضغوط الخارجية ، أو الضغوط الشعبية ، منفردة أو متضامنة .. وفي تقديرنا ، أن هذه التطورات ، تكشف أيضاً المزيد من عزلة المعارضة الخارجية ، واغترابها عن الواقع السياسي مما يضاعف من أزمتها .

التحرك  الشعبي رد فعل طبيعي لأزمة النظام ومعارضته التجمعية

فالتحرك الأخير الذي شهده الشارع السياسي ، تم مباشرة في أعقاب انفضاض مؤتمر التجمع في مصوع والذي تبنى ما يسمى بالحل السياسي التفاوضي كأولوية وكخيار مفضل بالنسبة إليه . أي تقنين قطيعته مع العمل الشعبي ومع خط الانتفاضة الشعبية ، وهذا ما سهل نسبة ذلك التحرك الشعبي لحزب الترابي . إن الشارع الشعبي ، الذي ظل مغيباً في حسابات الحكومة ومعارضة التجمع ، أصبح يؤكد نفسه كفاعل في المعادلة السياسية التي تتجه الأوضاع نحو التشكل في إطارها . ومع تنامي وتطور الحركة المطلبية وما يصحبها من احتجاجات ، فإن خطاباً جديداً ومعارضة جديدة شكلاً ومضموناً ، ستقدم نفسها وخياراتها ، التي هي البديل الطبيعي لخيارات السلطة والمعارضة التجمعية معاً . فالتحرك الشعبي ، هو رد الفعل الطبيعي لأزمة المعارضة وأزمة السلطة في آنٍ واحد . لذلك ليس غريباً أن يأتي في أعقاب انفضاض مؤتمر مصوع مباشرةً . حيث فشل التجمع في تجاوز أزماته السياسية والهيكلية ، وعمل مؤتمر التجمع على تكريس الخلافات والانقسامات في صفوفه ، مما انعكس في تضاؤل قدرته على تجسيد وحدة المعارضة والتعبير عن إرادتها . وتكريس التجاوزات على ميثاقه وتقاليد العمل داخله ، والتي انتهت بمفارقة خط الانتفاضة الشعبية وإسقاط النظام بتبنيه لخط المصالحة تحت عنوان الحل السياسي التفاوضي ، والذي يشكل نظام الجبهة جزءاً لا يتجزأ من ترتيباته . إن المظاهرات الشعبية ، ومطالبها ، المتصلة بحياة المواطنين ومعاناتهم ، هي رد فعل طبيعي، على المناورات الفوقية ، التي تتم باسم الحل السياسي التفاوضي لإعادة تقسيم السلطة ، والتي تنشغل بها الأطراف المعنية ، بعيداً عن القضايا الحيوية والملحة للمواطنين ، هي تعبير عن المفارقة بين إستعادة حية لتقاليد انتفاضة مارس ابريل / وثورة اكتوبر ، التي جرت في ظروف مماثلة تقريباً ..

فالحل السياسي التفاوضي ، بالأوضاع المتأزمة لأطرافه ، بدأ يدخل في طريق مسدود ويتجه نحو الأزمة ، التي يرسم التحرك الشعبي طريق الخروج منها عبر تجديد المعارضة وتجديد خطابها ووسائل عملها .

ألا تعتقدون إذن بمستقبل للحل السياسي

أو بوجود فرصة لتأكيد نجاعته وجدواه ؟

الحل السياسي تعبير عن العجز الذي وصل إليه طرفاه

بضوء رؤيتنا للأزمة العامة في بلادنا ، ولأهمية الحلول الجذرية المكافئة عمقاً لتلك الأزمة ، فإن ما يسمى بالحل السياسي الشامل ، لا يقدم أيا من تلك الحلول المرتجاة . لكن الحل المطروح ، من شأنه أن يوفر حلولاً مؤقتة لأزمة المعارضة التجمعية وأزمة النظام معاً . فالحل السياسي الشامل ، لم يكن غير وليد للعجز الذي انتهى إليه الطرفان بعد صراع طويل دون حسمٍ تام لصالح أيٍ منهما . فمع هيمنة شعارات الوفاق والمصالحة على الساحة السياسية لوقت غير قصير إلا أن توجهات النظام نحو الوفاق والمصالحة أو ما يسمى بالحل السلمي التفاوضي ، لم تتخذ شكلاً ملموساً إلا في جنيف ومن بعد في جيبوتي ، أي في إطار الصراع داخل النظام ، بين أجنحته المختلفة والذي انتهى باخراج الترابي من السلطة ، وانقسام قاعدة النظام في أوساط الحركة الإسلامية ، الأمر الذي أوجد حاجة متزايدة وفعلية لمعادلة سياسية جديدة ، تقوم على توسيع قاعدة النظام في إطار القوى التقليدية ، لمواجهة الترابي والتحدي الذي يمثله للنظام من جهة ، وملء الفارغ السياسي الذي خلفه إضافة إلى كونه إحدى تعبيرات النظام في الاستجابة للضغوط الأجنبية ، بما يعزز من شرعية النظام وتماسكه . هذا التوجه وجد تجسيده في اتفاق جيبوتي بين قيادة حزب الأمة والنظام . وقد عبر لقاء جنيف الذي سبقه عن عمق الأزمة داخل التجمع وخياراته المعتمدة ، والصراع حول تلك الخيارات ، سواء كان الكفاح المسلح أو الانتفاضة المحمية ، والتي وصلت إلى طريق مسدود وكشفت عجز التجمع وعدم قدرته على التصدي كمعارضة فعالة للنظام ، وبديله المحتمل . ففي ظل شلل التجمع ، وتآكل خياراته ، عمل حزب الأمة ، ومن خلال لقاء جنيف على طرح خيار الحل السياسي التفاوضي ، وفرضه كأمر واقع ، وكخيار مقدم على غيره من الخيارات . وقد أدى تطور الأحداث فيما بعد إلى تبني التجمع لهذا الخيار ، في اجتماعه الأخير بالقاهرة ، والذي أعلن فيه قبوله بالملتقى التمهيدي المقترح . فإلى جانب العوامل الذاتية المتعلقة بضعف نشاط التجمع ، العسكري والمدني ، فقد تضافرت عوامل خارجية ،أدت إلى ترجيح كفة الخيار السياسي ، أهمها التحسن النسبي في علاقات النظام بجيران السودان ، وبلدان الاتحاد الأوروبي ، والتي أصبحت تميل للتعايش مع النظام وأقل استعداداً لدعم الاتجاهات الرامية لتغييره . ومن المؤكد أن الاتفاقات الأمنية التي توصل لها النظام مع كلٍ من أثيوبيا وإرتريا ، في إطار التحسن المشار إليه ، كان لها أثرها الكبير في تقليص هامش نشاط التجمع المعارض ، وبالذات العسكري منه . وعبرت المبادرة المشتركة ، عن رؤية قوى إقليمية لها وزنها ، كما لها دورها الكبير في دعم وإسناد التجمع ، للمآلات التي ينبغي أن يتخذها شكل الصراع السياسي في السودان .

الحل السياسي تقرير من التجمع بفشله في أن يكون بديلاً للنظام

 كل هذه العوامل خلقت مناخاً جديداً ، جعل من الحل السياسي ، ليس مجرد تعبير عن اختيار حر للمعارضة السودانية التجمعية ، بقدر ما هو نقطة تقاطع الإرادات الإقليمية والدولية إلى جانب الإرادات المحلية المحكومة بالظروف المستجدة ومتغيراتها ، وقدراتها الذاتية . إن الحل السياسي التفاوضي هو التعبير الآخر عن التخلي عن استراتيجية تفكيك النظام أو اقتلاعه من جذوره ، كما تم الإفصاح عن ذلك من قبل ممثلي التجمع . فالتخلي عن اقتلاع النظام من جذوره هو إذن تخلي عن المبررات الفكرية والسياسية التي شكلت الحد الأدنى من الاتفاق الذي قام على أساسه تجمع المعارضة في أكتوبر 89 . فهذا الإعلان هو تقرير لأمر واقع هو فشل التجمع في إسقاط النظام عن طريق الكفاح المسلح أو عن طريق الانتفاضة المحمية . وبالتالي لم يبق سوى التعايش مع النظام ، وهو ما يجري التعبير عنه بمفردات غزيرة التنوع من قبيل الوفاق والمصالحة الوطنية والحل السياسي الشامل والمبادرات وغيره . فمنذ وقت غير قصير ، كان العديد من المراقبين ، ينظرون إلى التجمع وما يعانيه من شلل وعجز وخلافات داخلية كواحد من العوامل التي ساعدت في إطالة عمر النظام . وقد استخدمت هذه الواقعة من قبل بعض أطرافه لتسويق نهج التصالح مع النظام .  

هل ترون أن هناك مشاكل فعلية أو عقبات

تحول دون تحقيق الحل السياسي التفاوضي؟

افتقار قوى الحل السياسي لأي آليات لتحقيق خيارها ، جعلها تعتمد كلياً على الإرادات الخارجية

بالفعل توجد عقبات منذ الآن . وطرح شعار الحل السياسي نفسه لم يمر داخل المعارضة التجمعية دون مشاكل وخلافات ، انتهى بخروج أحد أطرافه النافذة ، ودخوله في صراع علني مع حلفائه السابقين . هذا الوضع بمجمله ضاعف من ضعف موقف التجمع السياسي وموقفه التفاوضي اللاحق مع النظام . وفي ذات الوقت فإن الطرف الخارج عن التجمع باسم الحل السياسي ، لم يكن في موقف أفضل . وظل يراوح بين المعارضة وبين النظام مفتقراً للفعالية المستندة لوضوح الخط السياسي الصحيح . ولم يؤد تبني التجمع فيما بعد لاستراتيجية الحل السياسي التفاوضي إلى توحيد الرؤى لماهية هذا الحل ومضمونه بين الأطراف المعنية المتوزعة بين مفاهيم مختلفة ومتضاربة لمحتوى الحل السياسي تتراوح بين المصالحة مع النظام وبين تفكيكه سلمياً ، أو عن طريق التفاوض . وقد أدى هذا التضارب وتباين الرؤى إلى اختلافات عميقة داخل كل حزب من أحزاب الوفاق والحل السياسي وإلى تبلور أجنحة وتيارات متصارعة حول الموقف من الحل السياسي . وهذا ما يشكل عامل ضعف إضافي جعل تقدم تلك الأحزاب منفردة ومتحالفة على طريق الحل السياسي الذي تتداعى إليه أمراً ليس باليسير ،ويحمل في داخله نذر تصدعات وانشقاقات قوية الاحتمال ظل حزبنا يشير إليها . وتلتقي قوى الحل السياسي في جبهة المعارضة في كونها تفتقر إلى أي آليات لتحقيق خيارها الذي ارتضته . ولذلك تعتمد كلياً على الضغوط الخارجية للبلدان الضامنة للحل السياسي أو المصالحة . وعلى صعيد النظام ، فإن الحديث المتواتر عن الوفاق والمصالحة والحل السياسي ، لم تتأكد مصداقيته في الواقع . ومن الطبيعي أن ضعف المعارضة التجمعية جعل تجاوب النظام مع أطروحاتها ومع اشتراطاتها للوفاق ضعيفاً جداً . إن لمن يكن معدوماً كلياً . بحيث أن شكوى المعارضة التجمعية المزمنة من عدم جدية النظام ، أصبحت تثير الرثاء أكثر من كونها محرضة للرأي العام ضد النظام . فالمعارضة التجمعية فقدت صلتها الحية بالجماهير ، وبشعاراتها وتقاليدها النضالية . وعملت على تحييد الشارع السياسي بترسيخ قناعة بإمكانية إسقاط النظام أو تغييره أو حتى إجباره على المصالحة ، بدون مشاركة الشارع الشعبي ،أو من خلال حلول ومعالجات تأتي مما وراء الحدود . إن عدم جدية النظام تجاه أطروحة الوفاق بالاستناد للوضع الراهن للمعارضة التجمعية هي حقيقة موضوعية إلى جانب تجذر تلك الحقيقة في طبيعة النظام وتكوينه ، كنظام معادٍ للديمقراطية . وإذا كان تطور الأحداث وما صاحبها من ضغوط داخلية وخارجية قد أجبر النظام للتراجع وتقديم بعض التنازلات ، في ظل صراعات مكبوتة ومكشوفة بين أطرافه ، فإن الصراع حول الوفاق ، وحول مآلات النظام نفسه ، منذ يناير 1998، لم تحسم بشكل نهائي ، وهذا ما يعكس نفسه في الازدواجية القائمة بين الشعارات والواقع المعاش .

أقصى ما يمكن أن يحققه الحل السياسي توسيع قاعدة النظام السياسية وسط القوى التقليدية

إن حدوث تحول داخل النظام لمصلحة الوفاق أو لمصلحة التحول السلمي للديمقراطية ، إن وجد مثل هذا التوجه في النظام أصلاً ، ووجدت القوى التي تسنده ، مرهون بتطورات الصراع على الساحة المحلية والظروف الإقليمية والدولية المحيطة . وحتى ذلك الحين ، وبافتراض وجود تيارين في النظام ، أحدهما مع الوفاق والآخر ضده ، فإن التيار الوفاقي المفترض ، لازال هو الطرف الأضعف في معادلة السلطة . وكما برهنت تجربة لقاء جيبوتي ، فإن الضغوط الداخلية أو غيرها من العوامل المماثلة ، هي التي يمكن أن تدفع نحو خطوات جدية على طريق الوفاق بمفهومه النسبي المرتكز على مصالح التيار الحاكم . وفي ظل معادلة القوى الراهنة بين التجمع من جهة وبين النظام من الجهة الأخرى ، فإن قدرة الحل السلمي المتفاوض عليه ، في إجبار النظام على تسليم رأسه على طبقٍ من ذهب لخصومه السياسيين على مائدة المفاوضات تبدو أمراً مستبعداً . إذ ليس متوقعاً ، أن تحقق المعارضة التجمعية على طريق التفاوض ما عجزت عن تحقيقه عن طريق الكفاح المسلح والانتفاضة المحمية . وهذا ما يقودنا إلى استنتاج مبكر بفشل الحل السياسي المقترح في إيجاد مخرج صحيح من الأزمة الوطنية الشاملة . إذ أن غاية ما يمكن أن يحققه ، هو توسيع قاعدة النظام وسط القوى التقليدية ، وبالتالي إطالة عمره ، وإيجاد مخرج للقوى المحسوبة على المعارضة من أزمتها الناجمة عن فشلها في تحقيق ما نادت به ورفعته من شعارات ، وتغطية انسحابها من ميدان النضال من أجل التغيير الشامل .

ما موقفكم من الملتقى التحضيري ، ومن المشاركة في الملتقى التمهيدي ،

ورؤيتكم لإمكانية تحقيق الحل السياسي عبر أيٍ من هذه الملتقيات ؟

الملتقى التحضيري مناورة سياسية تعكس رؤية النظام القائمة على استيعاب الآخر

نؤكد ، ابتداءً ، بأننا لم نتلق أي دعوة لما يسمى بملتقى الخرطوم التحضيري الذي يتبناه النظام . ونؤكد ، تالياً بأننا غير معنيين بملتقى القاهرة التمهيدي ، الذي تقترحه المبادرة المصرية الليبية ، للجمع بين

النظام والتجمع حول طاولة التفاوض ، إذ أننا لسنا جزء من التجمع الوطني الديمقراطي منذ أن قمنا بتجميد عضويتنا في إطاره عام 90 . إلى جانب أن لنا رؤيتنا المتميزة لما يسمى بخيار الحل السياسي الشامل ، والذي تدور حول محوره المبادرات وتقترح الملتقيات . وفق منظورنا ، فإن الأزمة الوطنية الشاملة تقتضي حلولاً جذرية وشاملة ، أي تغييراً يتناول من الجذور كل القضايا والمشكلات التي تواجه البلاد . ويكمن جوهر تلك المشكلات والقضايا ، وفق تقديرنا ، في إشكالية ما نسميه بالدوران في الحلقة المفرغة للتطور السياسي للبلاد منذ الاستقلال حتى الآن ، والذي يعبر عن احتكار السلطة وتداولها بين شرائح القوى التقليدية بجناحيها العسكري والمدني ، إنهاء هذا الدوران في الحلقة الجهنمية تلك ، لا يتحقق عن طريق الحل السياسي المتفاوض عليه بين النظام والتجمع المعارض . إذ أن غاية ما يمكن تحقيقه عن طريق الحل السياسي التفاوضي ، ضمن الظروف الراهنة ، هو تلك التنازلات التي قد يتطوع النظام بتقديمها ، أو قد يضطر لتقديمها تحت وطأة الضغوط الخارجية ، والتي لا تؤثر جوهرياً على مركزه السياسي والاقتصادي والاجتماعي . ويجسد ما يسمى بالملتقى التحضيري ، طبيعة المشكلات الحقيقية التي تعترض مسيرة الحل السياسي ، والكامنة في تباين الرؤى ، لدى الأطراف المعنية لماهية الحل السياسي المنشود . فملتقى الخرطوم التحضيري ، يعكس رؤية النظام القائمة على استيعاب الآخر وبالتالي تصادم المسار والاتجاهات التي يتخذها النظام تجاه ما يعتبره الحل السياسي ، مع الترتيبات التي تقوم بها دولتا المبادرة . وهو جهد كما هو واضح ، يصب في اتجاه التعطيل أو كسب الوقت من قبل النظام ، مما يجعل من الممكن وصف الملتقى الذي ينظمه النظام بالمناورة السياسية . ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الموقف الرسمي سلباً على مسار المبادرة المصرية الليبية . فضلاً عن الاشتراطات التي يضعها الطرف الآخر ، أي التجمع ، من أجل تهيئة مناخ التفاوض والحوار ، والتي تقابل برفض واضح من النظام .

ما موقفكم من المبادرة الأمريكية التي شغلت الساحة السياسية مؤخراً ؟

ماهي مبرراتها ؟ وما حظها من النجاح ؟

المبادرة الأمريكية وسيلة تعبيرية مضافة للتوجهات الأمريكية بما يخدم مصالحها ورؤاها في السودان والوطن العربي وإفريقيا

المبادرة الأمريكية هي حلقة في سلسلة متشابهة من المبادرات الخارجية ، والتي تولدت من واقع عجز الأطراف الداخلة في الصراع السوداني / السوداني عن حسم هذا الصراع حرباً أم سلماً وبشكل نهائي لصالح أي طرفٍ منها ، وإنهاك الطرفين ، أي الحكومة والمعارضة ، نتيجة ذلك الصراع غير المحسوم . وليس بالضرورة ، كما أنه غير محتوم ، أن تكون كل تلك المبادرات التي مرت على الساحة السودانية ، منطلقة بالأساس من المصالح العليا للشعب السوداني ، ومكرسة كلياً للتعبير عن تلك المصالح فهي بلا شك ، تحتمل التعبير عن مصالح القوى الإقليمية والدولية ذات الصلة بالشأن السوداني ، وتتأثر به سلباً وإيجاباً . كما هو الشأن بالنسبة لجيران السودان المتوزعين حالياً على مبادرتين على الأقل . وبلا شك فإن قيام نظام عقائدي يرتبط بمنظومة ما يسمى بالصحوة الإسلامية ،يضع في صلب اهتماماته تصدير الثورة الإسلامية إلى خارج حدوده الدولية ، قد جعل من السودان ومنذ 30 يونيو 89 ، محل اهتمام عالمي ، ومن قبل القوى النافذة دولياً ، بالذات بعد انهيار الكتلة السوفيتية ، وتفرد الولايات المتحدة في التقرير في الشئون العالمية ، منفردة أو تحت مظلة الأمم المتحدة ، ومع صعود الموجة الإسلاموية في الجزائر بعد إيران وأفغانستان ، فإن نظام الحكم الإسلاموي في السودان ، قد استقطب عداء كل القوى الإقليمية والدولية ، التي عملت بدورها على احتواء النظام وتوجهاته ، إن لم يكن إسقاطه من خلال دعم معارضيه في الداخل والخارج . وفي هذا السياق تأتي المبادرات ، الرامية لإيجاد حل سلمي لأزمات النظام بما فيها المبادرة الأمريكية ، التي هي وسيلة جديدة ، إلى جانب وسائل الضغوط الأخرى ، للتأثير على الوضع الداخلي في البلاد ، وتعبير عن رؤية الولايات المتحدة الأمريكية لكيفية إعادة ترتيب الوضع السوداني بما يخدم مصالحها وتوجهاتها في السودان والوطن العربي وإفريقيا ، ويشمل ذلك تركيبة النظام وتوجهاته السياسية والفكرية ، علاقاته الإقليمية والدولية ، إلى جانب التصور الأمريكي لتسوية لمشكلة الجنوب ، تبقي على احتمال الانفصال قائماً ، مثلما تبقي على جوهر النزاع متقداً ، باعتباره البوابة الرئيسية للتدخل الخارجي في الشأن السوداني ، ووسيلة الضغط الفعالة على كافة الأنظمة السودانية . وتقفز الكونفدرالية ، إلى المقدمة باعتبارها إحدى الصيغ التي تقف على مسافة بين الانفصال والوحدة الهشة .

المبادرة الأمريكية تعكس تعاظم دور العامل الخارجي في قضايا السودان ، ومرحلة متقدمة في تدويلها

وتعكس المبادرة الأمريكية ، وغيرها من المبادرات تعاظم دور العامل الخارجي في المسألة السودانية واختراقه للوضع السوداني ، باسم الوساطة والرعاية والاستشارة والضمان وغيره فيما يتعلق بما يسمى بالحل السياسي التفاوضي ، مثلما تعاظم هذا العامل في نشاط المعارضة الخارجية في السابق في إطار توجهها لإسقاط النظام . فالمبادرة الأمريكية ، هي مرحلة متقدمة في تدويل قضايا السودان ، قضية الحكم وقضية الجنوب في مقدمة تلك القضايا . فهي تستند إلى هشاشة الواقع السياسي بمكوناته وقابليته للاختراق ، بحكم الأزمة الشاملة التي تحيط به ، كما يستند إلى توجه الولايات المتحدة ، في ظل القطبية الواحدة ، إلى إعادة صياغة العالم ، بما فيه السودان ، بما ينسجم مع مصالحها واستراتيجياتها ، خاصة في الوطن العربي وإفريقيا والتي تستهدف إيجاد أنظمة تابعة ، تنخرط في سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني ، وتعزز الهيمنة الإمبريالية الأمريكية العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية في الوطن العربي . وتأمين مصادر النفط وممراته إلى جانب ضمان أمن الكيان الصهيوني وتفوقه . وتؤشر سرعة استجابة بعض الأطراف المعارضة للمبادرة الأمريكية ، عمق حالة الاختراق التي سبق الحديث عنها ، والتي يمكن العثور على ما يوازيها من استجابات داخل النظام نفسه ، والتي تعود إرهاصاتها إلى مذكرة العشرة ، على الأقل ، والتي وصفت في حينها من قبل بعض أجنحة النظام المتصارعة بأنها ذات صلة بأمريكا ، اتباع أمريكا سواء كانوا في هذا الجانب أو في الجانب الآخر ، يراهنون ، مثل ما راهن السادات على قوة ونفوذ أمريكا ، وسيعملون على هذا الأساس إلى تسليم ما يعتبرونه 99% من أوراق الحل لواشنطن . وهذا الاستعداد هو الذي سيفتح الباب أمام المرحلة الأمريكية في السياسة السودانية . غير أن ذلك لن يكون هو الأمر الحاسم . فالعامل الحاسم سيبقى هو الجماهير وإرادتها المعبرة عنها بحرية . وأي حلول أجنبية أو محلية ، لا تتطابق مع الإرادة الشعبية فإن مصيرها الفشل ، طال الزمن أم قصر .

إلى أين يمكن أن يفضي الحوار الجاري الآن بين الحكومة من جهة

وبين الولايات المتحدة الأمريكية من جهةٍ أخرى ؟

ما يجري بين النظام وأمريكا لا يسمى حواراً إلا تجاوزاً ، فهو امتداد للعدوان العسكري على البلاد ونوع آخر من الضغوط على النظام

في ظل المناخ السائد على مستوى العلاقات بين الطرفين والتي تتسم بالعداء ، وبالهجوم المتواصل والمنظم خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ، بمختلف الوسائل ، والذي بلغ ذروته في العدوان العسكري الذي استهدف مصنع الشفاء ، قبل عامين من الآن ، وفي ظل غياب التمثيل الدبلوماسي المتبادل ، فإن ما يجري بين الطرفين لا يستحق اسم الحوار إلا تجاوزاً . فهو شكل آخر من الضغوط التي تمارسها أمريكا على النظام ، وهو امتداد للعدوان العسكري على البلاد . فهذا الحوار ، الذي يجئ في أعقاب ذلك العدوان ،يتم أيضاً في ظل تهديد معلن بالاعتراض على رفع العقوبات الدولية عند إعادة مناقشتها مرة أخرى في مجلس الأمن في نوفمبر المقبل ، وربما في ظل تهديدات مبيتة بعقوبات أخرى ، وربما دعم عسكري للجهات التي تحمل السلاح في مواجهة النظام . ويمكن النظر إلى قبول النظام استقبال المبعوث الأمريكي بعد رفض متشدد وقبول استقبال بعثة أمنية أمريكية للتأكد من سلامة السلوك السياسي للنظام وفق المعايير الأمريكية ، هذا القبول ، يمثل استجابة لتلك الضغوط وتنازلاً من مواقف النظام المتشددة إزاء أمريكا على الأقل ، الأمر الذي يمكن أن يؤشر لاحتمال استجابات أخرى ، ذات صلة بمطلوبات الإدارة الأمريكية ، والتي تشمل السياسة الأمريكية في الوطن العربي وإفريقيا ، وعدم معارضتها ، وبالتالي التخلي عن نهج تصدير الثورة الإسلامية ودعم نشاطات الإسلاميين . والمشاركة في سياسة التطبيع الجارية مع العدو الصهيوني ، والمشاركة في عزل البلدان التي تتخذ مواقف حازمة من أمريكا و"إسرائيل" مثل العراق ، إلى جانب القبول بدور أمريكي في تسوية قضايا السودان الداخلية كقضيتي المصالحة وإنهاء الحرب في جنوب البلاد .

إن بروز ما يسمى بالمبادرة الأمريكية ، يعني أن الظروف قد تهيأت أو هي توشك أن تتهيأ للدور الأمريكي ، والذي سيعمل على تدعيم النفوذ الأمريكي في البلاد ، من خلال الترتيبات التي سيمليها على الوضع السياسي وقواه المؤثرة سواء فيما يتعلق بأزمة الحكم أو بأزمة الحرب الأهلية في الجنوب . وقد قدمت ندوة واشنطون عام 93 ، ، نموذجاً واقعياً للدور الذي تتطلع أمريكا للقيام به في السودان ، ومدى

القبول الذي يمكن أن يلاقيه وسط الأطراف التي شاركت فيها من الحكم القائم ومعارضته التجمعية . حيث استطاع القائمون على أمر تلك الندوة  جمع الفرقاء السودانيين للمرة الأولى ، على القبول بالأطروحة الأمريكية الخاصة بحق الجنوب فيما أسموه تقرير مصيره حد الانفصال . وتجئ المبادرة الأمريكية التي بادرت بتسويقها بعض الأطراف السودانية لتهيئة الأجواء لتقبل الدور الأمريكي والنفوذ الأمريكي وللحل السياسي الأمريكي لقضايا البلاد ومشكلاتها . فالمبادرة الأمريكية ، هي وسيلة السياسة الأمريكية وأداتها ، في ظل استجابة نسبية من بعض الأوساط الحاكمة والمعارضة ، لتحقيق ذات الأهداف التي سعت لتحقيقها خلال العشر سنوات الماضية ، بوسائل أخرى ، ويشكل الحوار الأمريكي مع الحكومة ، بشروطه وظروفه المعروفة ، بعضاً من آليات الضغط التي ساهمت في تمهيد الأرضية التي تتأسس عليها تلك المبادرة .. فالمبادرة ، كما سلف القول ، تهدف إلى تمديد دور أمريكا من مجرد التعاطي مع قضية الحرب والسلام في الجنوب إلى التعامل مع كل قضايا السودان ، وفي مقدمتها قضية الحكم ، وهي نقلة في شكل هذا الدور الذي ظل يختبئ خلف الإيقاد وأصدقائها وشركائها إلى مستوى العلن والشمول والتفرد خاصةً بعد أوسلو . فالولايات المتحدة ، تطمح إذن إلى إلغاء كافة المبادرات الإقليمية المطروحة في الساحة السياسية وإقصاء الأطراف التي ترعاها ، تمهيداً لاحتكار كامل المسألة السودانية ، وفرض وصايتها عليها ، بصورة تقترب من الشكل الذي تتخذه المسألة الفلسطينية باسم السلام الأمريكي . حتى أن المبادرة الأمريكية ، تعمل إلى إيجاد منبر أمريكي للمسألة السودانية مشابه لمنبر كامب ديفيد ، أو دايتون الذي اختص بمسألة البلقان .

وفي ظل هذه المداخلات الأجنبية والأمريكية خاصة ، فإن مسألة السيادة الوطنية واستقلال الإرادة السياسية والقرار الوطني ، لابد أن تتصدر أجندة كافة القوى الوطنية الشريفة ، تصدياً للنفوذ الأجنبي ، دفاعاً عن الاستقلال والسيادة والوحدة الوطنيتين ، وانحيازاً لخط الكفاح ضد الهيمنة الإمبريالية والصهيونية ، عربياً وإفريقياً ، تعزيزاً لصمود العراق وتصدي المقاومة الفلسطينية واللبنانية ، لنضال كل الشرفاء في كل أنحاء العالم . 

هل يعني ذلك أنكم تعولون على

الانتفاضة الشعبية أو تراهنون عليها ؟

فشل التجمع في الإعداد والتنظيم للانتفاضة لا يعني سقوطها التاريخي كخيار راسخ في ضمير الشعب ومفصح عن خلاصة تجاربه

الانتفاضة هي خيار الشعب السوداني ، وهي خلاصة تجاربه وتقاليده النضالية ، التي أكدت جدواها وفعاليتها في مواجهة أعتى الدكتاتوريات العسكرية التي مرت على السودان . وهي بهذا المعنى راسخة في ضميره ووجدانه ، ولا يمكن إسقاطها من حساباته السياسية بأي شكلٍ من الأشكال . ولا يعني فشل قوى المعارضة التجمعية في تنظيم الانتفاضة أو الإعداد لها أو تهيئة شروطها الذاتية والموضوعية ، سقوط مثل ذلك الخيار تاريخياً . فقد أثبتت تجربة أكتوبر وتجربة مارس أبريل انطلاق مبادرة الانتفاضة من صفوف الشعب ، أي أن المبادرة في انطلاقة الانتفاضة ، لم تكن في السابق أو اللاحق ، حكراً للقوى السياسية المعارضة . وبالتالي ستبقى احتمالاً قائماً للتعبير الحر عن فعالية القوى الشعبية الحية . ويعزز هذا الخيار تآكل الخيارات الأخرى التي اعتمدتها معارضة التجمع في الخارج والقائمة على الضغوط الخارجية أساساً إلى جانب شعارات الكفاح المسلح والانتفاضة الشعبية المحمية . فانتقال مركز المعارضة للخارج ، وانفصالها عن مصدر قوتها ممثلاً في جماهير الداخل ، ومن ثم تعويلها على العوامل الخارجية ، سواء في الضغط المباشر على النظام أو تقديم التسهيلات والدعم المادي والمعنوي للمعارضة ، ومن ثم ارتهان المعارضة لسياسات واستراتيجيات دول اللجوء والدعم ، إلى جانب الخلافات في أوساطها ، وافتقارها للموقف السياسي الواضح ، والموحد ، نتيجة الخروقات المتصلة لميثاق أكتوبر 89 ، كل تلك العوامل أسهمت في إضعاف خيار الانتفاضة في إطار الخيارات المطروحة في الساحة ، وتحييد جماهير الشعب بدلاً من تعبئتها لخوض معركة مصيرها ، وتغذية المناخ السياسي بتصورات تقوم على إمكانية الحسم من الخارج ، وإشاعة السلبية في الشارع السياسي انتظاراً لما يأتي مما وراء الحدود سواء كان اقتلاعاً من الجذور أو تفكيكاً للنظام أو مصالحة ..الخ الخ .

حركة الاحتجاجات والإضرابات تعبير عن افتراق النضال الجماهيري عن برنامج المعارضة التجمعية وأساليب عملها

وبنهاية الرهان المعقود على الحلول القادمة من الخارج ، وتراجع حالة الانتظار والترقب لتلك الحلول وسط الجماهير ، وتخلي القوى المؤثرة في التجمع عن هدف إسقاط النظام وانجرارها لنهج التصالح معه ، بدأ مشروع الانتفاضة يعود من جديد ، ويأخذ كامل اعتباره وسط القيادات السياسية والنقابية والقوى الحية المستنيرة . وبدأت إرهاصات هذا الخيار تتكون وسط حركات الاحتجاج المختلفة والإضرابات التي تنطلق من أوساط المعلمين والطلاب والمهنيين وغيرهم . وهي تعبير ضمني عن الافتراق عن برنامج المعارضة التجمعية السياسي المحصور في قضايا الحكم وما يرتبط بذلك من مناورات ومساومات باسم الوفاق والمصالحة ، وعن الافتراق عن أساليب عمل تلك المعارضة ، فثم قوى جديدة ، تشمل منكوبي نظام الإنقاذ وضحاياه ، تدخل ساحة الصراع السياسي ، حاملةً قضاياها ومطالبها . فهناك المفصولون من العمل تعسفياً وسياسياً ، والنازحون بسبب الحرب أو بسبب المجاعات أو السياسات الاقتصادية الجارية والحروب القبلية ، وهناك العاطلون من العمل مع احتياطيهم في المؤسسات التعليمية الذين لا مستقبل يتراءى لهم غير الهجرة والاغتراب ، وهناك المعسرون من المزارعين ورجال الصناعة والتجارة وغيرهم من ضحايا التمكين الاقتصادي ، وهناك الكم الأكبر من المواطنين الذين لم تعد قضية الحريات السياسية والنقابية تشكل هماً يقل في إلحاحه وآنيته عن قضايا المعيشة التي تحولت بسببها الحياة إلى جحيم لا يطاق . إن هذه القوى ، لا تتطلع إلى مجرد التغيير في تركيبة السلطة فقط ، وإنما إلى تغيير مجمل شروط حياتها . وهذا ما يدفعها إلى دائرة الثورة والفعل الثوري وإلى التعبير عن حاجاتها للتغيير الشامل بطريقة ثورية ، أي بطريقتها المعروفة المستندة إلى خبراتها الثورية ، أي طريقة الانتفاضة الشعبية .

حزبنا يراهن كلياً على النهوض الجماهيري وعلى تنظيم القوى الحية لصفوفها وبناء وحدتها على أساس تحالف وطني صحيح

فالحركة المطلبية الراهنة ، المتنامية ، عمقاً واتساعاً تحمل معها بذرة الانتفاضة وملامحها ، وهي في تقديرنا مشروع الانتفاضة المقبلة ، فهي تعمل على خلق معارضة جديدة مرتبطة بمطالب أو برنامج جديد نابع من صميم الشعب ومعبر عن مطالبه الحيوية وتعمل كذلك على إعادة الاعتبار لأساليب النضال

المرتكز على قدرة الشعب وعلى الثقة في تلك القدرات وتطويرها عبر المعارك اليومية والتي يؤدي تراكمها وتصاعدها ، كماً ونوعاً ، إلى استشراف آفاق الانتفاضة والعصيان المدني .لذلك ، فإن حزبنا يراهن كلياً على هذا النهوض الجماهيري وعلى الوعي الذي يجسده ، والذي يعبر عن نفسه حتى داخل الأحزاب والقوى التقليدية في شكل تمايزات وتيارات متصارعة حول محاور ذات صلة بالموقف من النظام ومن مشاريع المصالحة بشتى مسمياتها ، هذه الصراعات وغيرها ، ستعمل على تسريع حالة الفرز والاستقطاب بين القوى الحية التي تقف مع خيار الانتفاضة وفي خندقه ، وبين القوى التقليدية والتصالحية التي ستلتف حول محور النظام تحت لافتة الحل السياسي التفاوضي الشامل . هذا الاصطفاف التاريخي للقوى السياسية والنقابية والاجتماعية ، والذي يجري منذ الآن ، هو ما يحتم على القوى الحية إعادة تنظيم صفوفها وبناء وحدتها على أساس  تحالف وطني صحيح . ووفق الخيار الشعبي الذي تعبر عنه حركة الجماهير اليومية . بعد أن بدا أن تطور الأحداث يميل إلى تفكيك البنى السياسية التقليدية رأسياً وأفقياً ، بما في ذلك تحالف المعارضة ، ممثلاً في التجمع ، نتيجة ما يسمى ترتيبات الحل السياسي الشامل وصراعاتها .