|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم خمسون عاماً على الاستقلال الأزمة الوطنية .. طبيعتها .. جذورها وسماتها
الاحتفال بذكرى الاستقلال – اليوبيل الذهبي – يقتضي معرفة ما أنجزناه منذ ذلك التاريخ والأسباب التي حالت دون تحقيق مهام ومتطلبات مرحلة ما بعد الاستقلال – موضوعية كانت تلك الأسباب أو ذاتية ، وتحديدها بدقة وشفافية وموضوعية كمهمة لابد أن يتواضع أبناء الوطن عليها ، ليصلوا من ثم لتحديد الأهداف والآليات القادرة على رسم طريق الحياة الحرة الكريمة لشعبنا . فإذا كان من الثابت أن استقلالنا تحقق يوم اتفق أبناء شعبنا بأحزابهم في الشمال وفي الجنوب ، فإن ذلك كان كفيلاً لوحده ليطرح خطورة اختلافهم على مستقبل السودان المستقل . وإذا كان كذلك أن المحافظة على الاستقلال تقتضي تعزيز الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي ، فإن التبعية الاقتصادية ما كانت لتقود إذن إلا للتفريط في الاستقلال السياسي . ولما كان استقلالنا قد جاء في مرحلة ما عرف بنهوض حركات الاستقلال الوطني في الوطن العربي وفي آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ، فإن موقف جماهير شعبنا من محاولات وعدوانات الاستعمار على أشقائنا في مصر والكونغو كانت دالة حدسها العفوي بوحدة نضال شعوب المستعمرات ضد مشاريع الهيمنة الاستعمارية . ولما كان الإنسان – سودانياً أو غيره – هو عنوان كل فعالية – وسيلتها وهدفها وضمانتها – فإن تغييبه بالقسر والقمع والجهل حد الأمية والمرض وإشغاله بصراعات أثنيه أو مذهبية أو جهوية أو قبلية ، وإقصائه عن المشاركة بالتالي في صياغة مشاريع مستقبله ، تصبح مقدمة تجريد الشعب والدولة من أسلحة نماءها بل والدفاع عن حاضرها وماضيها أي استقلالها وتاريخها النضالي من أجل الاستقلال – لأن الإنسان في بلادنا هو رأسمالنا الأول والثاني والأخير - . فأين نحن من الوعي بكل ذلك ؟ وما هي قراءتنا أو قراءاتنا للمرحلة ؟ سماتها وتحدياتها ، الأساسية والفرعية ؟ كيف ننظم جهدنا ونرتب أولوياتنا النضالية على كافة الأصعدة بما يحشد قوانا ويجعلها في خدمة مشروع مستقبل السودان ؟ لابد ابتداءً من التوصل إلى تعريف دقيق لما نسميه نحن بالأزمة الوطنية الشاملة التي يعاني منها قطرنا - ولكي نكون أمناء مع أنفسنا وشعبنا وفي كتابتنا لتاريخنا وحتى لا نخلط بين الأسباب والنتائج والتي يمكن أن تتحول هي الأخرى إلى أسباب فيغيب المنهج الذي يساعدنا على الخروج من الأزمة، لابد من التساؤل عما إذا كانت هذه الأزمة وليدة نظام الإنقاذ أم الأنظمة التي سبقته أم الاستعمار ؟ لقد دأبنا على التأكيد في خطابنا دوماً بل ومنذ مجيء الإنقاذ أنها ( أي الإنقاذ ) كانت حلاً زائفاً لأزمة حقيقية لنؤكد مرة أخرى أن الأزمة بهذا المعنى سابقة للإنقاذ التي عملت على تفاقمها ، فما هي جذور الأزمة الوطنية الشاملة ، وما هو المخرج منها ؟ للإجابة على ذلك السؤال لابد أولاً من تعريف مظاهر الأزمة – سماتها وعناوينها حيث نجدها تتمثل في : أ/ فقدان السيادة والاستقلال الوطني . ب/ مهددات جدية للوحدة الوطنية – على أسس جهوية وقبلية وأثنية وعودة إلى تلك العصبيات مصحوبة بإقبال متصاعد على امتلاك السلاح والاقتتال الأهلي – تحت دعاوى الغبن والمظالم والتهميش . وتزايد حدة الاستقطاب على تلك الأسس التفتيتية التي انخرط فيها النظام وبعض القوى المعارضة . ج/ أزمة اقتصادية معيشية – فقر وجوع وغلاء طاحن ومرض – تكلفة عالية للخدمات الصحية والتعليمية – الكهرباء ومياه الشرب النقية وقيمة إيجارات المنازل والبناء والأرض بشكل عام – وارتفاع تكلفة الإنتاج .. الخ . د/ غياب الديمقراطية – قمع الآخر والحريات – انفلات الأمن بمناطق شاسعة . هـ/ توتر علاقات السودان بعدد من دول الجوار ألقت بتأثيراتها على زعزعة الاستقرار – المفقود أصلاً - . إذن يمكننا القول ، وفق ذلك التوصيف لماهيتها ، بأنها أزمة وطنية شاملة : أ/ يمكن إرجاع جذورها التاريخية لحقبة الاستعمار وسياساته الاقتصادية الاجتماعية الأمنية الثقافية ، المرتبطة بمصالحه في الهيمنة على بلادنا واستنزاف مواردها ، والتي خطط لها لتستوعب العديد من الاحتمالات ووفق سيناريوهات متعددة . ب/ كما أن الوجه الثاني منها يعزى إلى نهج النخب السياسية الحاكمة والمعارضة : - في علاقاتها وموقفها من إرث الاستعمار . - وفي علاقتها بجماهير شعبها . - وفي علاقتها بعضها بالآخر ( الحاكمين بالمعارضين ) ( أطراف المعارضة ببعضها ) . ج/ وبعض منها يعود إلى تداعيات الأوضاع السياسية ببلدان الجوار على السودان . د/ يضاف إلى ذلك كله أسباباً بيئية وجغرافية . أ/ فقدان السيادة والاستقلال الوطني – وأبلغ مظاهره :-
ب/ تهديد جدي للوحدة الوطنية .. فتنة عرقية وجهوية ، تكوينات جهوية وقبلية مسلحة وذلك بسبب :-
وكل ذلك يتطابق مع مخططات الإمبريالية والصهيونية لتفتيت المنطقة وتحويلها إلى كانتونات ممزقة ومتصارعة وضعيفة وتابعة ومرتبطة بالمخططات الإمبريالية والصهيونية . ج- فقر / جوع / مرض أزمة اقتصادية واجتماعية وغلاء في تكاليف المعيشة وتكلفة عالية للخدمات الصحية والتعليمية وتفشي البطالة . . ويمكن إرجاع أهم الأسباب إلى :- 1. سياسة السوق والارتباط بوصفات صندوق النقد بالإضافة إلى جذور السياسة الاستعمارية والاقتصادية المرتكزة علي قيام المشروعات بهدف التصدير (تصدير المواد الخام) وفق التقسيم الإمبريالي للعمل دولياً (عالم ثالث منتج للمواد الخام رخيصة الثمن ، وعالم متقدم مصدر للسلع المصنعة غالية الثمن ) خلقت اختلال في ميزان المدفوعات ، أدام نهب موارد القطر . 2. الخصخصة – والتشريد وتخلي الدولة عن دعم التعليم والصحة والتشريد والضرائب الباهظة والمتعددة والمتكررة والرسوم وتضخم جهاز الدولة والصرف البذخي والفساد المالي والإداري ، جعلت حياة الناس جحيماً لا يطاق . د/ غياب الديمقراطية – تكميم الأفواه وتقييد الحريات العامة ، انعدام الأمن واستشراء الخوف . 1. قوانين مقيدة للحريات وإجراءات الأجهزة الأمنية بالقانون أو رغم أنفه ، اعتقالات – اعتداءات – تعذيب – قيود علي الإعلام – قيود علي حرية الحركة النقابية ( نقابة أساتذة جامعة الخرطوم مثلاً ) وتزوير لانتخابات الاتحادات الطلابية – اعتداءات الأجهزة الأمنية علي مراكز الفرز لانتخابات اتحاد طلاب جامعة النيلين – تزوير انتخابات جامعة السودان – أحداث جامعة الدلنج للمرة الثانية خلال عام 2005 وبحيث أصبح جهاز الأمن فوق القانون والسلطة الحقيقية المهيمنة . 2. تزييف للمشاركة الشعبية عبرت عنه تعيينات الجهاز التنفيذي (الحكومة) والجهاز التشريعي ( المجلس الوطني ) والمفوضيات تحت مسميات حكومة الوحدة الوطنية – ووفق اتفاقات الإنقاذ / الحركة .. والإنقاذ / التجمع ... وغيرها 3. تغول السلطة وتنظيمها الحاكم امتد ليطال حتى الحركة الرياضية – تعيينات الأندية – الاتحادات الرياضية – اللجنة الأولمبية . هـ/ علاقات متوترة مع دول الجوار ألقت بتأثيرها السلبي علي السودان : مرت علاقات السودان بدول الجوار بلا استثناء بتوترات منذ فجر الاستقلال حيث كان البعض منها بسبب خرائط أفريقيا ورسم حدود أقطارها التي وضعها الاستعمار إذ نلاحظ : 1/ نتوء حلايب مع مصر – مثلث ألبي مع كينيا – يتجدد التوتر حولهما ولم يحسم ترسيمها بعد ( نزاعات قابلة للتفجر ) . 2/ التدخل في شئون دول الجوار – متبادل بين مصر / السودان ، أثيوبيا / السودان ، إريتريا / السودان ، يوغندا / السودان ، تشاد / السودان ، ليبيا / السودان . الصراع السوداني الأثيوبي ، والسوداني الإرتري – توتر أمني عملياتي في شرق السودان – لا سيما مناطق القضارف / كسلا/ بورتسودان بالإضافة بالطبع لمناطق الكرمك / قيسان .. 3/ الصراع (الليبي / التشادي) ، (التشادي / التشادي) ، (التشادي / السوداني) .. ألقى بظلاله علي أزمة دارفور فزادها اشتعالاً وتعقيداً . 4/ حرب الجنوب ومداخلات أطرافها مع يوغندا حكومة ومعارضة ألقت بتأثيرها علي مسرح جنوب القطر . والملاحظة الاعتراضية التي يجدر بنا تسجيلها هنا هي التناغم النوعي بين برامج القوى والبنى الفوقية لمجتمعنا التي توالت على كراسي السلطة المدنية منها والعسكرية في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ورثناها من عهد الاستعمار وإن تزين الخلاف بين هذا النظام أو ذاك ببعض النماذج في الدرجة وليس في صلب التوجه وجوهره . فما الذي يمكن أن يتغير فيما لو ذهب هذا النظام وعادت نفس القوى التي خبرها شعبنا متآلفة ثنائياً أو ثلاثياً خلال حقب الديمقراطية الثلاث ؟ أو ما هو موقفها إذا زادها النظام بعضاً من حصته في الوزارة والمجلس .. هل سيبقى الذين أحجموا عن المشاركة على موقفهم ؟ أليست هي خلافات على الحصص وليس البرنامج وكيفيته ؟ ( أي حول من يحكم السودان وليس كيف يحكم السودان ) . ومع مناداتنا بأن لا سبيل لتجاوز الأزمة أو بالأحرى لفتح طريق المضي لتجاوزها إلا برحيل هذا النظام ، ومع ثقتنا في أنفسنا المستمدة من ثقتنا في إرادة شعبنا وطاقاته غير المحدودة وفي قدرته على إزاحة هذا الكابوس الذي جثم على صدره منذ العام 89 ، فإننا عندما نتداعى مع غيرنا من الشرفاء من أبناء وبنات هذا الشعب لإحداث هذا التغيير المنشود لابد وأن نتساءل عن أسباب تخلفنا وفقرنا مقابل غنى وتقدم الآخرين ؟ هل نحن مسحورون أم هل كتب علينا ذلك ؟ أم أن المخلصين منا لم يحسنوا قراءة التاريخ في علاقاتنا كدولة مستقلة مع من استعمرها وسمات حقبة الاستعمار فكنا أو كان البعض منا كما تقول أمثال المستعمرين : NOT SO BLIND AS THOSE WHO WILL NEVER SEE أي ليس أكثر عمىً من أولئك الذين لا يريدون أن يروا . كلنا يعلم أن الظاهرة الاستعمارية لم تكن حصراً في معاناة السودانيين ، بقدر شمول معاناتها لقارات إفريقيا ، آسيا وأمريكا اللاتينية أو العالم الثالث وإن أضحى اليوم العالم السابع ! فإذا كانت الولايات المتحدة قد خططت أثناء الحرب الكونية الثانية لوراثة الإمبراطورية البريطانية وبناء إمبراطوريتها العالمية ، فإنها قد خططت لذلك عبر بناء مؤسسات عالمية سياسية ومالية تحقق لها تلك الهيمنة . وهكذا جاء ميلاد الأمم المتحدة ومنظماتها ومكاتبها بالإضافة إلى صندوق النقد والبنك الدولي ومؤخراً منظمة التجارة العالمية بما يحقق حرية نشاط وانتقال رؤوس الأموال وللاستيلاء على المواد الخام اللازمة لصناعة الشركات الرأسمالية متعددة الجنسية وفي نفس الوقت فتح الأسواق لمنتجات هذه الشركات بدون قيود ، لاسيما وقد تزامنت مع الظاهرة الاستعمارية في عقودها الأخيرة تصاعد نضالات حركة التحرر الوطني والقومي بما استنزف دماء المستعمرين ، فكان لابد من بديل للهيمنة المكلفة دموياً بأخرى تحقق استنزاف موارد الشعوب بدون مقابل دموي من شرايين جنود الاحتلال . لذلك سعت الدول الاستعمارية – والإمبريالية الأمريكية التي ورثتها – لتمديد هيمنتها عبر ربط اقتصاديات هذه الأقطار باقتصاديات الدول الاستعمارية سواء عن طريق المعونات أو القروض المالية أو الخبرة والتدريب أو عن طريق ما عرف بوصفات صندوق النقد الدولي .. وبدون الوقوف طويلاً للشرح نقول أن بلدان العالم الثالث والتي كانت أكثر من أمينة في الالتزام بوصفات الصندوق إلا أنها توصلت بعد 40 عاماً من تجربتها معه إلى أن تلك الوصفات لم تزدها إلا فقراً ومهانة ، فأخذت تراجع سياساتها على هذا الصعيد باستثناء السودان والبرازيل !! فلماذا يحدث هذا ؟ وكيف جاء ؟ إن حاجة الدول الاستعمارية سواء خلال الحرب العالمية أو بعدها إلى المواد الخام ، جعلها تقدم على تحويل الاقتصاد المعيشي لتلك البلدان – وما يعنينا هنا قطرنا – إلى اقتصاد سلعي خدمي ، فبدلاً من الاقتصاد المعيشي الإنتاجي الاستهلاكي في آنٍ معاً والذي يستكمل النقص فيه بالتبادل والمقايضة بحيث أن الغذاء كان متوفراً لسكان بلادنا ، فإنها حولت الاقتصاد السوداني إلى سلعي نقدي وبما صحب هذه النقلة من سلسلة من الإجراءات : قوانين ملكية الأرض والزراعة .. مشروعات الجزيرة والمناقل لزراعة القطن وفق احتياجات مصانع لانكشير ..الخ أو قطع أيادي الهنود الذين استجابوا لنداء المهاتما غاندي بتصنيع ما يلبسونه بأيديهم بدلاً من استيراد الملابس المصنعة باعتبار النموذج الهندي يهدد مصالح صناعة النسيج البريطانية – كما ويمكننا هنا ملاحظة ظاهرة امتداد خطوط السكك الحديدية من مواقع الإنتاج إلى سواحل التصدير وانعدام الخطوط العرضية أو المتقاطعة مع تلك الخطوط التي تخدم بجانب تصدير المواد الخام للبلدان الاستعمارية ، نقل منتجاتها الصناعية للبلدان المستعمرة . وهكذا يمكن أن نلاحظ أيضاً أن جذور ما عرف بمشكلة المناطق المهمشة إنما تعود للحقبة الاستعمارية ونهجها في إعادة هيكلة اقتصاد البلدان المستعمرة بحيث تضمن توفر العمالة الرخيصة التي توافرت على مناطق الإنتاج سواء من دارفور وغرب القارة أو غيرها للعمل كعمالة موسمية أو ما يسمونهم بعمال اللقيط حيث حرصت بريطانيا الدولة المستعمرة للسودان على إهمال بناء مشاريع تنموية في هذا الجزء من القطر . إذا كانت إعادة هيكلة الاقتصاد هو الخطوة الأولى التي قامت بها الإدارة الاستعمارية البريطانية في السودان ، فإن خطوتها اللاحقة أو المرادفة لها كانت في منع تكرار نموذج محمد أحمد المهدي – ليس النموذج الديني فقط بل تصفية الثوار على مثال البطل عبد القادر ود حبوبه أو غيره – ولإن أكتشف المستعمر البريطاني أهمية العامل الديني في تحريك الشعور الوطني وتوحيده وتصديه للأجنبي ، فإنه سعى لتطويف ( من طائفة ) هذا الشعور وتسييسه واحتضانه بتجحفل رموزه مع قوات الاحتلال أو بإقطاع الآخرين الإقطاعيات والأراضي الزراعية وكسوات الشرف وغيرها مما خلق التنافس بين هؤلاء بعضهم البعض الآخر ، وتقربهم وصداقتهم جميعاً للمستعمر وما شهدناه من سفر الولاء .. الخ . عمل المستعمر على بناء مؤسسة عسكرية تخدم حروب الإمبراطورية وحملاتها داخل القطر وتتصدى لمحاولات التمرد أو انتقاد مساعي فصل العلاقة بين شمال وادي النيل وجنوبه وفق ما ندركه من تنكيله بأبطال جمعية وحركة اللواء الأبيض في العشرينيات من القرن الماضي . كذلك عمل الاستعمار على إضعاف القطاع الخاص وحال دون قيامه بالدور الذي قام به نظيره الأوروبي في خلق وحدة شعوبها وتمويل حملاتها الاستكشافية العلمية والاستعمارية وبناء نهضتها الصناعية وغيرها ، وحرص ألا يكون رأس المال الوطني متجاوزاً لدور الوكيل الضعيف لرأس المال الأجنبي وبما يحول دون تحوله إلى منافس له . وهكذا حرص الاستعمار على أن يخلفه عند رحيله تحالف الطائفية والتكنوقراط والمؤسسة العسكرية ووكلاء رأس المال الأجنبي وهو التحالف الذي ظلت تعبيراته السياسية تتداول السلطة فيما بينها بالتوافق أو التبادل بدون افتراق في جوهر النهج الاقتصادي / الاجتماعي . إن التحرر من كل إرث وجذور الاستعمار ( التخلف والتبعية والفرقة ) الباحث عن الموارد الخام والأسواق ، كان يتطلب ممن تولى المسئولية الوطنية تدارس إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني بما يحقق فك ارتباطه وتبعيته ، وبما يحقق تنمية الإنسان السوداني . فهل كان بمقدور من تولى الأمر من زمامه أن يفعل ذلك ؟ هل كانت نشأته وتركيبته ومصالحه وعلاقاته وعقليته قادرة على تحقيق الاستقلال الاقتصادي الذي يعزز ويوطن الاستقلال السياسي ؟ نحن معنيون أيضاً بالإجابة على تلك التساؤلات وفق الحالة التي نعيشها الآن ، أو بتعبير أكثر دقة بما ظللنا نعيشها منذ الاستقلال وحتى الراهن الذي نتحدث في زمانه . لقد اتسم تاريخ قطرنا بسمتين متلازمتين ومتناقضتين في آنٍ معاً : ثورة جماهير الشعب على الأنظمة القمعية ، وتآمر زعاماتها لقطع الطريق أمام انتفاضاتها وهبّاتها حتى لا يأخذ الصراع السياسي والاجتماعي مداه الذي يؤكد وينتصر لإرادة الشعب ومصالحه الحقيقية ومستقبله ، وذلك عبر شعارات وسياسات الوفاق والمصالحة والترقيع وعفا الله عما سلف وحقن الدماء وهي جميعها قولة حق أريد بها باطل .. إذ أن الداعين لها سرعان ما يضعون العراقيل والصعاب أمام الشعب وإجماع الأمة على الحلول الجذرية لمشاكلها وقضاياها . كما اتسمت أيضاً مواقف العديد من ساستنا بالتنكر لوجدان شعبنا ومواقفه المناصرة لقضايا شعوب قارتنا الإفريقية ووطننا العربي ، ولا يحتاج ذلك لكثير من الشرح لإدراكه . فإذا كانت سياسات المستعمر الاقتصادية على سبيل المثال في القطاع الزراعي قائمة على أساس تركيز المشاريع لأغراض الصادر ، فإننا وإن كنا نرى أهمية قيام المشاريع بما يحقق التنمية البشرية باعتبار أن الإنسان أساس الثروة وسيلتها وغايتها في نفس الوقت فإن لنا أن نتساءل عما هي سلعة الصادر التي ستتركز مشاريعنا عليها ؟ وكيف يتم توزيع عائدات هذا الصادر ؟ ما هو نصيب المنتج الحقيقي منه ؟ سنكتشف دون مغالاة أن المنتج الحقيقي لم يحز علي ما يعادل الـ 10% من ذلك العائد ، ومثله أو ضعفه للوسطاء أو لهما معاً ( المنتج والوسيط ) في أفضل الأحوال ، بينما يذهب الباقي الذي يتجاوز الـ 70% للشركات العملاقة متعددة الجنسية ، لذلك يمكننا أن نفهم الأسباب التي قادت مئات الألوف إن لم يكن ملايين الأيدي العاملة في القطاع التقليدي إلى هجرانها وزحفها نحو المدن لأن عائد ( برد جوفك يا حران ) أفضل عشرات المرات من عائد قد يعود إليهم من ريع عملهم هذا إن لم نقل أن الخشية من أن يقبعوا خلف جدران السجون بسبب العجز عن تغطية تكلفة الإنتاج التي تتجاوز عائده والذي لا يسمن ولا يغني عن جوع أو يمنع من السجن. وجدير بنا القول أن النخب الحاكمة في بلادنا قد سارت علي نهج التمكين لها ولمحاسيبها على هامش من ربح الشركات المتعددة الجنسية ، وذلك على حساب المنتجين الحقيقيين وأصحاب الأرض بل علي حساب الأرض نفسها ، حيث أفقرت الاستثمارات الأجنبية بشكل خاص الملاك واستنزفت خصوبة الأرض البكر وعذريتها دون أن تجد نفسها ملزمة بإعادة توظيف جزء من عائد استثماراتها في إعادة تأهيل التربة والبيئة بل وبحصولها علي تعويضات في أراضي أخرى بور بدون تكلفة ؟! أما مؤسسات القطاع العام فبالرغم من أنها قدمت مساهمات مقدرة للدخل القومي وفي مقدمتها فرص العمالة لعشرات الألوف من أبناء وبنات شعبنا ، فقد تبارت الأنظمة لاسيما منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي في تصفيتها بصورة شاملة حيث بلغ عدد الذين تم تشريدهم وفق حديث رئيس اتحاد عمال النظام د. غندور الـ 95 ألف وذلك بسبب الخصخصة وحدها . ... فإذا كانت السياسات المتوارثة علي هذا الصعيد تحاول دمغ نشاط المؤسسات العامة بالخسارة لتبرر بذلك ميلها إلى خصخصتها ، فإننا تقول بثقة أن تربح مؤسسة ما أو تخسر لا يرتبط ذلك بنوع ملكيتها – قطاع عام أم خاص ، بقدر ما يعود إلى السياسات والقوانين واللوائح التي تنظم وتحكم عمل هذه المؤسسات وإدارتها ، والافتراض أصلاً هو أن لا مؤسسة قامت إلا بعد دراسة جدوى قيامها وإلا فإن المحاسبة أوجب أو أن العائد المادي الربحي لم يكن هو الهدف الأساسي من وراء نشاط المؤسسة بمعني أن أهدافها خدمية اجتماعية ... الخ وفي كل الأحوال فإن المؤسسات المراد تحويلها أو تمليكها للقطاع الخاص فإن مالكها الجديد لن يكون هو كل موظفيها وعمالها ... الخ بل سيستعين سواء بعدد من السابقين أو يزيد عليهم أو يستبدلهم بآخرين وفق شروط ومواصفات وعقود عمل واضحة . فما الذي يمنع القطاع العام من وضع تلك الشروط والمواصفات المطلوب توفرها في عمالة المؤسسة منذ البداية ؟ في كل الأحوال فإن الحاجة إلى نشاط المؤسسة والاقتناع بضرورتها هي التي تقرر منذ البداية إنشائها وإلا فالمساءلة : لماذا قامت ؟! المهم القول أن ليس كل المؤسسات ذات أهداف ربحية والمهم أيضاً وضع الضوابط التي تحقق الكفاءة الإنتاجية والعدالة الاجتماعية ... إن ظاهرة التقسيم الدولي للعمل القائم علي معادلة عالم ثالث منتج للمواد الخام – وعالم متقدم منتج للمواد المصنعة بكل ما أفرزته – وما تزال – من نسبة تبادل مجحفة بل لا إنسانية ( تدني أسعار المواد الخام مقابل ارتفاع أسعار السلع المصنعة ) مما قاد ويقود باستمرار إلى اختلال في ميزان المدفوعات لبلادنا وذلك مقصود كي تظل ضمن حلقة التبعية للاقتصاد الرأسمالي العالمي ويستمر نزيف الموارد لصالح الشركات متعددة الجنسية – وبالتالي الضغط علي الحكومات وشعوبها لإتباع السياسات المطلوبة . ثم جاء تقسيم دولي آخر للعمل القائم علي نقل بعض الصناعات إلى دول العالم الثالث بما يوحي زوراً أن تنمية قد حدثت ، لكنه تطور زائف .. لأن هذه الشركات همها زيادة أرباحها فقط ، وبالتالي فإنها تتنقل بصناعتها أينما كانت التكلفة أقل ] نفط الخليج – العمالة الرخيصة في آسيا [ .. وفي نفس الوقت فإن هذه الشركات ومن وراءها قاموا بخديعتهم الكبرى بنقل مصانع أو صناعات تحويلية أو تجميعية شريطة عدم تمليك الخبرة التقنية know how أو البحث والتطوير R.D لملاكها العامل من مواطن دولة الانتقال ، فمع التقدير والاحترام للجهد المبذول في مؤسسة جياد الصناعية مثلاً فإن مهندسيها لا يعدون كونهم ( ميكانيكي ببزات رمادية ) يقومون فقط باستبدال قطع الغيار وتركيبها بدون أحقية البحث عن بديل محلي أو اقتصادي للقطعة المراد استبدالها – أما بالنسبة للذهب المستخرج من شرق السودان فإنه ينقل كمادة خام إلي فرنسا لتحدد المعامل الفرنسية حصراً نسبة الذهب المستخرج من الخام بدون أن يكون لنا الاعتراض والأدهى والأمرْ أن جنوب أوروبا المتخلف أضحي يتطلع للحصول علي موافقة دفن نفاياته في أرض النيل !! الملاحظة هنا أن الغرب الاستعماري يسعى بمختلف الوسائل لتكريس التبعية في استمرار نهب موارد الشعوب بشكله القديم أو الحديث وبمختلف الرايات والخدع ( تعمير أو حضارة للشعوب البدائية ، مروراً بتصنيع وتمويل التنمية " في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي " والآن تحت لافتات الديمقراطية وحقوق الإنسان ، وخطورة الأخيرة أنهم لا يتورعون عن سحق وطن بكامله في سبيل تحقيق أهدافهم والتجارب عديدة ( تقسيم السودان إلى خمس دويلات كمشروع استعماري تتبناه قوى محلية ) . حقوق الإنسان والديمقراطية ليست فقط دفاعاً عن مصالح الإمبريالية العالمية بل ومستصحبة أيضاً بمصالح الصهيونية العالمية التي تمثلها دولة كيانها في قلب الوطن العربي ، وبالتالي التهديد وفق هذا التطابق لوحدة الكيانات الوطنية وتحويلها إلى كانتونات قائمة على أسس أثنية وطائفية متناحرة بالضرورة بما يفتح الطريق أمام سيادة وهيمنة كاملة للكيان الصهيوني ، ولهذا نشاهد رعاية واحتضان الإدارات الأمريكية ومن خلفها الكيان الصهيوني للحركات المسلحة الجهوية والأثنية .. الخ ، كما هو الحال في السودان ( صفقة الأسلحة الصهيونية إلى متمردي دارفور ) والدعم المتواصل لهذه الحركات حيث أنها تمثل أفضل رصيد وغطاء وطني لتوجهات الهيمنة الإمبريالية . عثمان إدريس أبو راسنائب أمين سر قيادة قطر السودان لحزب البعث العربي الاشتراكي يناير 2006 م |
_bo
rders/ |